كريم نجيب الأغر

25

إعجاز القرآن في ما تخفيه الأرحام

ومن خلال معارف بدائية وغير صحيحة تيسّرت لديهم ، وأما الإصابة في التفسير ، فتعود لاعتماد هؤلاء على دلالات الألفاظ المعلومة لدى العرب المتمكنين في اللغة العربية آنذاك كما تؤكده الآية : كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ [ فصلت : 3 ] . وقد وفّق هؤلاء كثيرا في شرحهم لمعنى الآيات القرآنية رغم احتجاب حقائقها الكونية ، متحدين ما توصّل إليه باقي الشعوب من علم كوني ، مع أن المفسّر الذي يصف الحقائق الكونية وهي محجوبة عن الرؤيا في عصره ، على ضوء ما سمع من الوحي ، يختلف عن المفسر الذي كشفت أمامه الحقائق الكونية وتفاصيلها ، فجمع بين ما سمع من الوحي وبين ما شاهد في الواقع ، فإذا ما حان وقت كشف الحقيقة الكونية ، ظهر التوافق الجلي بين تفسيرهم وبين حقائق العلم الكوني ، وظهرت الأمور على حقيقتها ، وازداد الإعجاز تجليا وظهورا . ولذلك فنحن نعتبر كلام الصحابة في تفسير الآيات الكونية معلما للوصول إلى الحقيقة العلمية على سبيل الاستئناس لا الجزم . ولنعط مثالا رائعا على تحدي العلماء المسلمين المفسّرين للقرآن الكريم ، والأحاديث الشريفة للعلماء الكونيين في عصرهم ، بما فهموا من الأحاديث الشريفة خلاف ما أعلنه العلماء الكونيون آنذاك : فقد ردّ الإمام ابن القيّم والإمام ابن حجر وغيرهما أقوال علماء التشريح في عصورهم ، فقال ابن حجر : « وزعم كثير من أهل التشريح أن منيّ الرجل لا أثر له في الولد إلا في عقده ، وأنه إنما يتكون من دم الحيض . وأحاديث الباب تبطل ذلك » « 1 » . وكتب اللّه التوفيق للمفسّرين فيما شرحوه من آيات وأحاديث متعلقة بأسرار الأرض والسماء ، لأنهم اعتمدوا على نصوص الوحي المنزل ممن يعلم السرّ في الأرض والسماء ، وعلى دلالات الألفاظ ، ومعاني الآيات .

--> ( 1 ) فتح الباري بشرح صحيح البخاري ، كتاب القدر ، رقم الحديث 6594 - ( ج 11 / ص 480 ) .